عبد الرحمن بن ناصر السعدي
633
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
به ، واتخذه إلها ، وآمن بجميع كتبه ، ورسله ، وانقاد لله واتبع رسله ، فهو السعيد . ومن انحرف عن هذا الطريق ، فهو الشقي . * ( وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن ه ؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنآ إلا الكافرون * وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ) * أي : * ( وكذلك أنزلنا إليك ) * يا محمد ، هذا * ( الكتاب ) * الكريم ، المبين كل نبأ عظيم . الداعي إلى كل خلق فاضل ، وأمر كامل ، المصدق للكتب السابقة ، المخبر به الأنبياء الأقدمون . * ( فالذين آتيناهم الكتاب ) * فعرفوه حق معرفته ، ولم يداخلهم حسد وهوى . * ( يؤمنون به ) * لأنهم تيقنوا صدقه ، بما لديهم من الموافقات ، وبما عندهم من البشارات ، وبما تميزوا به ، من معرفة الحسن والقبيح ، والصدق والكذب . * ( ومن هؤلاء ) * الموجودين * ( من يؤمن به ) * إيمانا عن بصيرة ، لا عن رغبة ولا رهبة . * ( وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون ) * الذين دأبهم الجحود للحق ، والعناد له . وهذا حصر لمن كفر به ، لا يكون من أحد ، قصده متابعة الحق . وإلا فكل من له قصد صحيح ، فإنه لا بد أن يؤمن به ، لما اشتمل عليه من البينات ، لكل من له عقل ، أو ألقى السمع وهو شهيد . ومما يدل على صحته ، أنه جاء به هذا النبي الأمين ، الذي عرف قومه صدقه ، وأمانته ، ومدخله ومخرجه ، وسائر أحواله ، وهو لا يكتب بيده خطا ، بل ولا يقرأ خطا مكتوبا . فإتيانه به في هذه الحال ، من أظهر البينات القاطعة ، التي لا تقبل الارتياب ، أنه من عند الله العزيز الحميد ، ولهذا قال : * ( وما كنت تتلو ) * أي : تقرأ * ( من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا ) * لو كنت بهذه الحال * ( لارتاب المبطلون ) * فقالوا : تعلمه من الكتب السابقة ، أو استنسخه منها . * ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ) * فأما وقد نزل على قلبك ، كتابا جليلا تحديت به الفصحاء البلغاء ، الأعداء الألداء أن يأتوا بمثله ، أو بسورة من مثله ، فعجزوا غاية العجز ، بل ولا حدثتهم أنفسهم بالمعارضة ، لعلمهم ببلاغته وفصاحته ، وأن كلام أحد من البشر ، لا يبلغ أن يكون مجاريا له أو على منواله ، ولهذا قال : * ( بل هو آيات بينات ) * إلى * ( الظالمون ) * . * ( بل هو ) * أي : هذا القرآن * ( آيات بينات ) * لا خفيات . * ( في صدور الذين أوتوا العلم ) * وهم : سادة الخلق ، وعقلاؤهم ، وأولو الألباب منهم ، والكمل منهم . فإن كان آيات بينات ، في صدور أمثال هؤلاء ، كانوا حجة على غيرهم . وإنكار غيرهم ، لا يضر ، ولا يكون ذلك إلا ظلما ، ولهذا قال : * ( وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ) * لأنه لا يجحدها إلا جاهل ، تكلم بغير علم ، ولم يقتد بأهل العلم ، ومن هو متمكن من معرفته على حقيقته ، أو متجاهل ، عرف أنه حق فعانده ، وعرف صدقه ، فخالفه . * ( وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنمآ أنا نذير مبين * أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون * قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أول ئك هم الخاسرون ) * أي : واعترض هؤلاء الظالمون المكذبون للرسول ، ولما جاء به ، واقترحوا عليه ، نزول آيات ، عينوها كما قال الله عنهم : * ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) * الآيات . فتعيين الآيات ، ليس عندهم ، ولا عند الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن في ذلك تدابير ، مع الله ، وأنه لو كان كذا ، وينبغي أن يكون كذا ، وليس لأحد من الأمر شيء . ولهذا قال : * ( قل إنما الآيات عند الله ) * إن شاء أنزلها ، أو منعها * ( وإنما أنا نذير مبين ) * وليس لي مرتبة ، فوق هذه المرتبة . وإذا كان القصد بيان الحق من الباطل ، فإذا حصل المقصود بأي طريق كان اقتراح الآيات المعينات على ذلك ، ظلما وجورا ، وتكبرا على الله ، وعلى الحق . بل لو قدر أن تنزل تلك الآيات ، ويكون في قلوبهم أنهم لا يؤمنون بالحق إلا بها ، كان ذلك ليس بإيمان ، وإنما ذلك ، شيء وافق أهواءهم ، فآمنوا ، لا لأنه حق ، بل لتلك الآيات . فإي فائدة حصلت ، في إنزالها على التقدير الفرضي ؟ ولما كان المقصود بيان الحق ، ذكر تعالى طريقه فقال : * ( أو لم يكفهم ) * في علمهم بصدقك ، وصدق ما جئت به * ( أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) * . وهذا كلام مختصر جامع ، فيه من الآيات البينات ، والدلالات الباهرات ، شيء كثير ، فإنه كما تقدم إتيان الرسول به بمجرده ، وهو أمي ، من أكبر الآيات على صدقه .